سيد قطب

1945

في ظلال القرآن

أما خطأ النتائج فهو ضرورة حتمية لخطأ المنهج من أساسه . هذا الخطأ الذي طبع نتائج المنهج كلها بهذا الطابع . . على أنه أيا كان المنهج وأيا كانت النتائج التي يصل إليها ؛ فإن تقريراته مخالفة مخالفة أساسية للتقريرات الإلهية كما يعرضها القرآن الكريم . . وإذا جاز لغير مسلم أن يأخذ بنتائج تخالف مخالفة صريحة قول اللّه سبحانه في مسألة من المسائل ؛ فإنه لا يجوز لباحث يقدم بحثه للناس على أنه « مسلم » أن يأخذ بتلك النتائج . ذلك أن التقريرات القرآنية في مسألة الإسلام والجاهلية ، وسبق الإسلام للجاهلية في التاريخ البشري ، وسبق التوحيد للتعدد والتثنية . . قاطعة ، وغير قابلة للتأويل . فهي مما يقال عنه : إنه معلوم من الدين بالضرورة . وعلى من يأخذ بنتائج علم الأديان المقارنة في هذا الأمر ، أن يختار بين قول اللّه سبحانه وقول علماء الأديان . أو بتعبير آخر : أن يختار بين الإسلام وغير الإسلام ! لأن قول اللّه في هذه القضية منطوق وصريح ، وليس ضمنيا ولا مفهوما ! وعلى أية حال فإن هذا ليس موضوعنا الذي نستهدفه في هذا التعقيب الأخير . . إنما نستهدف هنا رؤية الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في التاريخ البشري ؛ والإسلام والجاهلية يتعاوران البشرية ؛ والشيطان يستغل الضعف البشري وطبيعة التكوين لهذا المخلوق المزدوج الطبيعة والاتجاه ، ويجتال الناس عن الإسلام بعد أن يعرفوه ، إلى الجاهلية ؛ فإذا بلغت هذه الجاهلية مداها بعث اللّه للناس رسولا يردهم إلى الإسلام . ويخرجهم من الجاهلية . وأول ما يخرجهم منه هو الدينونة لغير اللّه سبحانه من الأرباب المتفرقة . . وأول ما يردهم إليه هو الدينونة للّه وحده في أمرهم كله ، لا في الشعائر التعبدية وحدها ، ولا في الاعتقاد القلبي وحده . إن هذه الرؤية تفيدنا في تقدير موقف البشرية اليوم ، وفي تحديد طبيعة الدعوة الإسلامية كذلك . . إن البشرية اليوم - بجملتها - تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التي أخرجها منها آخر رسول - محمد صلى اللّه عليه وسلم - وهي جاهلية تتمثل في صور شتى : بعضها يتمثل في إلحاد باللّه سبحانه ، وإنكار لوجوده . . فهي جاهلية اعتقاد وتصور ، كجاهلية الشيوعيين . وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود اللّه سبحانه ، وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الدينونة والاتباع والطاعة ، كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم . . وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك . وبعضها يتمثل في اعتراف صحيح بوجود اللّه سبحانه ، وأداء للشعائر التعبدية . مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . ومع شرك كامل في الدينونة والاتباع والطاعة . وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم « مسلمين » ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه - بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية ؛ مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين ؛ ومع استسلامهم ودينونتهم لغير اللّه من العبيد ! وكلها جاهلية . وكلها كفر باللّه كالأولين . أو شرك باللّه كالآخرين « 1 » . . إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح ؛ تؤكد لنا أن البشرية اليوم بجملتها قد ارتدت إلى جاهلية شاملة ، وأنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التي أنقذها منها الإسلام مرات متعددة ، كان آخرها الإسلام

--> ( 1 ) يراجع فصل : « لا إله إلا اللّه منهج حياة » في كتاب : « معالم في الطريق » نشر « دار الشروق »